القوّة الباطنة لإعانة الذات.. قراءة تحليلية في مقولة العقل الباطن

تقييم القراء: / 8
سيئجيد 

batenالقوّة الباطنة لإعانة الذات

قراءة تحليلية في مقولة العقل الباطن

السيد محمود الموسوي

يذكر علماء النفس والسلوك وخبراء النجاح دوماً أن لدى الإنسان قوتان عقليتان:

الأولى: "العقل" من جهة، كقوة واعية منتبهة ملتفتة مدركة تماماً لما تقوم به ولما تختاره وفقاً لأسس واضحة وبينة، والعقل يعتمد على كم المعلومات المحسوسة والمحفوظة في ذاكرة الإنسان، فهو يستنتج من خلال التفكير المنطقي والاستقراء عبر ربط مقدمات علمية بمقدمات أخرى، ثم الحصول على نتائج عقلية.

الثانية: "العقل اللاواعي" أو العقل الباطن، وهو الجانب الآخر من عقل الإنسان، أو هو نوع آخر من عمليات عقل الإنسان ذاته باعتبار أن له عقلاً واحداً ولكنه متعدد الوظائف، فالعقل الباطن إنما هو مخزن من المعلومات والأحاسيس والذكريات المتراكمة منذ طفولة الإنسان، فيستخدم نتائجها المعطاة وأوامرها التي تم تلقينه بها من جهة الذات أو من جهة خارجية أخرى، أو من المحيط والأحداث المتواردة عليه.

          والمتتبع لمسار علم النفس يرى أن فكرة العقل الباطن قد أحدثت تحولاً كبيراً في طريقة فهم الإنسان وفهم مساراته، بل وبدأ المختصون يستخدمونه في صياغة شخصية الإنسان وصولاً به إلى النجاح وتحقيق المنجزات، وقد جاء هذا الاكتشاف ليسد هوة واسعة في طريقة النظر للإنسان وفهمه في أوساط أصحاب التفكير المادي، حيث أن الجهل بالكثير من الحوادث والجهل بالعديد من تحقيق النتائج التي لم يكن يمتلك لها الفكر المادي تفسيراً، دعاه إلى تبني فكرة العقل الباطن والاقتناع بتفسيراتها. الحقيقة أن فكرة العقل الباطن عملت على تفسير جزء بسيط من الآثار، وأخطأت في تفسير الأكثر، وقد كانت جوانب المقدمات العملية في تحقيق بعض الآثار فعالة نوعاً ما، بعيداً عن صدق التفسير وعدمه.

          إن اكتشاف العقل الباطن والإيمان بهذه المقولة، جعل من العلماء يتعاملون مع القوى البشرية بشيء من السعة، حيث آمنوا بأن هناك تأثيرات للروح والنفس لا تقل أهمية عن تأثير العقل والجسم، و(كان "ويليام جيمس" ـ أبو علم النفس الأمريكي ـ يعتقد أن أعظم اكتشافات القرن التاسع عشر هو اكتشاف إضافة العقل الباطن للإيمان)[1]. وذلك لأن علماء النفس لاحظوا أن هناك الكثير مما يجهلون تفسيره، وبمقولة العقل الباطن تمت معالجة العديد منها.

مالعقل الباطن؟

          لقد اعتبر علماء النفس أن العقل الباطن هو الروح، وادّعوا أن روح الإنسان التي تنشأ معه منذ الولادة تحمل مقداراً من الوعي، ولكن ذلك الوعي ليس هو الوعي المعبّر عنه بالعقل، إنما هو شيء ضروري لا مكان له ولا تحديد بل يعرف بآثاره، لذلك فإن الجنين ينمو ويتنفس ويتحرك بفعل ذلك المقدار الواعي، وفي مقاربة مع الاصطلاحات الدينية – وهي لا تخلو من ملاحظات – يذكر الدكتور إبراهيم الفقي: (إذا نظرنا إلى العقل من منظور علم النفس سنجد أنه ينقسم إلى قسمين: الوعي واللاوعي، وحتى نوضح الارتباط بين الديني والمفهوم الخاص بعلم النفس سنلجأ إلى المصطلحات، وما يسميه علم النفس بالوعي يكون المصطلح الديني له هو (النفس)، أما اللاوعي فيسمى (الروح)، وتعبر كلمة الروح لنا عن تلك القوة المجهولة التي تبدو في أبسط صورها لدى الجسيمات الإلكترونية، وذلك المسمى يترادف مع الوعي، وعلى الرغم من انتشار الروح في كل أرجاء الكون، إلا أنها في شخصية الإنسان تركز على الجانب الخاص بما وراء الوعي أو العقل الباطن، وبدون إدراكنا للوعي فهي تدعي جميع وظائف الجسم مثل وظائف القلب وتنظيم سريان الدم)[2].

          الأمر المهم الذي يميّز العقل الباطن أو اللاواعي عن الواعي هو أنه يستجيب للمدخلات دون تفكير، وهو المختص بحركة أجسامنا وكل ردود الأفعال السريعة، بل أنه قد يقوم بقيادة الإنسان نحو أهدافه دون وعي منه، ويمكن تمثيل ذلك بمن يقود سيارته متجهاً نحو هدف معيّن قد اعتاد على الذهاب إليه، فإنه قد يستغرق في التفكير في أمر ما أو قد يسهو، فيجد نفسه أمام المكان الذي قصده، وهو بذلك عمل على قيادة السيارة دون الالتفات إلى كل ما يقوم به جسمه من تحريك المقود والضغط على الفرامل وما إلى ذلك، وهو أيضاً قد اتخذ الطريق الصحيح والتزم بقواعد المرور دون شعور منه بدقائق الأمور.

          إن هذه الخاصية الواضحة اعتبرها المختصون مدخلاً بالغ الأهمية للنجاح وتحقيق الانجازات وصياغة الذات البشرية، فلكي تحصل على نتائج جيدة، فإنك بحاجة إلى تغذية العقل الباطن بكل ما هو جيد، فإن عمل العقل الواعي أن يزوّد الباطن بمعلومات إيجابية ليحصل على النتائج الإيجابية، والعكس كذلك، فإن تغذية العقل الباطن بالأفكار السلبية سيقوده إلى نتائج سلبية، وتلك المقدمات التي يتلقاها العقل الباطن قد لا تكون صحيحة، فإن الفحص عن صحتها أو فسادها ليست من مهامه، (فإذا وضعت في العقل الباطن مقدمات سيئة أو هدامة، فسوف تأتي النتائج ذات آثار مدمرة، فعلينا أن نتذكر جيداً أن الروح لا يمكنها أن تفكر، فالتفكير يعتبر القدرة التي يختص بها العقل الواعي، مثال:

أصيب والدي بالسرطان – مقدمة كبرى

أنا أشبه والدي جداً – مقدمة صغرى

سوف أموت بالسرطان – نتيجة

أمي تقول أنني فاشل – مقدمة كبرى

أمي دائماً على حق – مقدمة صغرى

أنا فاشل – الاستنتاج

وهكذا تتم برمجة المفاهيم السلبية في العقل الباطن ـ كما في المثالين ـ وليس هناك خيار أمام الباطن إلا التنفيذ مهما بلغت درجة الضرر)[3].

طرق التأثير على العقل الباطن

بما أن آثار العقل الباطن تعتبر آثار خلاقة ومذهلة، فلا بد من معرفة كيف تتم تغذيته وكيفية التعامل معه، أو بعبارة أخرى، كيف يتم الربط بين العقل الواعي والعقل اللاواعي؟، وقد وضع المختصون لهذه الإجابة مجموعة من الخطوات، وقبل أن نذكر تلك الخطوات، لابد أن نؤكد على حقيقة مهمة في التأثير على العقل الباطن، وهي مدى تأثير البيئة التي يعيشها الإنسان، فإن العقل الباطن يتلقى أغلب معلوماته من المحيط، سواء المحيط العائلي أو الاجتماعي، بما في ذلك المواقف التي يواجهها في حياته، والمقولات التي يتلقاها من الآخرين، وهو يتلقى كل ذلك بدون حسابات منطقية، وبالتالي فهو يستجيب لنتائجها فتتحدد شخصية الإنسان وفقاً لتلك النتائج، وبهذا يفسرون سبب أن يكون الإنسان فاشلاً في حياته، في دراسته، في عمله، أو يكون خائفاً أو بخيلاً أو كريماً أو ودوداً أو غضوباً.

ولكن مع كل ذلك فإن الإنسان بإمكانه أن يتعامل ويتواصل مع عقله الباطن فيقوم بتغير مسار حياته ومشاعره من خلال تغيير المعلومات المخزنة وتحويلها إلى أفكار ذات نتائج إيجابية، وهنا نذكر أهم ما ذكره المتخصصون، مع إيراد بعض الملاحظات عليها:

1/ الاسترخاء والتلقين: من خلال ممارسة الاسترخاء الجسدي يمكن للآخر أن يقوم بتلقين الإنسان مجموعة من الأفكار الإيجابية لكي يأخذها العقل الباطن أخذ المسلمات، فيمضي عليها.

2/ التخيل: للخيال قوة كبيرة في تلقين العقل الباطن، لذا فعليه أن يتخيّل الأمور الحسنة ويتخيل أنه قد حقق منجزات وأنه بالفعل على ما هو يريده.

3/ التأمل الذاتي: وهو استغراق وتركيز في التفكير، ولا يستطيع كل أحد أن يقوم بهذا الفعل، لأنه بحاجة إلى تمرين متواصل وخبرة كبيرة على حد زعمهم.

4/ التنويم الإيحائي: بحيث يقوم المتخصص بعمل التنويم ليكون العقل في حالة استسلام تام، ثم يعمل على تلقينه الأفكار التي يريدها.

          وإذا لاحظنا كل الأقسام، فإننا نخرج بنتيجة أنها قائمة على مبدأ التلقين، ولكن تختلف وضعيات الاستسلام للعقل الباطن، لكي يقوم الإنسان بالمدخلات التي يريدها، كما أكدوا سبل أخرى وهي عبارة عن ركائز يمكن استخدامها في لغة الخطاب الموجهة للعقل الباطن، كعملية التكرار التي لابد أن يقوم بها الإنسان، وكالعبارات الإيجابية وانتخاب الكلمات بشكل لا يستخدم فيها لغة النهي.

ملاحظات أساسية في النظر للعقل الباطن

          باعتبار أن نظرية العقل الباطن تعتمد أكثر ما تعتمد على الناحية النظرية والتفسيرية لمجريات الأمور في الفعل الإنساني، وهي مرتبطة بالجانب الغيبي، وترتبط أيضاً بإيمان الإنسان، وبالحقائق التي يفضي إليها ذلك الإيمان، فإنه لابد أن نسجل بعض الملاحظات السريعة حول ذلك، فضلا عن حاجتنا إلى معالجة القوى الباطنية والغيبية للإنسان في دراسات أخرى.

1/ العقل الباطن لا يمكن مطابقته بالروح، بل يمكن أن يعبّر عنه بالنفس، لأنه وكما أثبتنا في دراسة سابقة أن الروح من أمر الله، وأن ما يتأثر بالصفات الإيجابية والسلبية هي النفس التي يطلق عليها مسميات مختلفة نظراً لنوع الصفات التي كونتها.

2/ في التفسيرات التي حاول المتخصصون أن يفسروها لعمل العقل الباطن وبعض تأثيراته، تناقض الإيمان بالله تعالى وبرسله وأوصيائه وتعاليمهم، كأن يعبّر عن قوة العقل الباطن الكامنة في الإنسان منذ أن كان جنيناً حتى نهاية حياته، بأنها "روح إلهية"، كما قال أحدهم: (فإذا لم يكن الإنسان موجوداً في تلك اللحظة ـ لحظة تكوين الجنين ـ فما الذي كان موجوداً بالفعل؟ هناك إجابة وحيدة منطقية وهي وجود تلك القوة العظمى المجهولة أو (الروح الإلهية)، وضرورة وجود هذا النوع من الوعي في تلك الخلية المجهرية والذي يتطور أثناء نمو الجنين مع بداية تكوين الأعضاء، ووجود تلك الروح ضروري منذ اللحظة الأولى)[4].

          والبعض الآخر يحفّز نحو تفعيل قوة العقل الباطن عبر إلغاء القضاء والقدر وعدم فهمها فهماً صحيحاً، ويعوّل على الاعتماد على العقل الباطن دون النظر لأي قوى أخرى[5]. وهناك من يسعى مستفيداً من بعض الاتجاهات الروحانية الغريبة كـ"الهونا ـ الشامانية" التي تدعو أولاً إلى تفعيل القوى الكامنة عن طريق الإيحاء، التنويم لتمام القدرة على التغيير من خلال التعامل مع اللاوعي وتنتهي بالاستعانة بأرواح الأسلاف ـ بزعمهم ـ والسحر وتأثيرات الأفلاك"[6].

فإن التفسير الصحيح يدعو إلى التعامل الصحيح، ويدعو إلى الانفتاح على أفق واسع من التأثير المتصل بالإيمان الحقيقي.

3/ بالرغم من أن فكرة العقل الباطن هي فكرة قريبة من التأثيرات الروحية غير المادية، إلا أن التفسيرات المادية كانت حاضرة وبيّنة، فعلى سبيل المثال في فكرة استجابة الدعاء (يقول "ميرفي" إن الكون الذي نعيش فيه كون يحكمه قانون ونظام، ولذلك لا ينبغي أن يكون هناك أي شيء "سري" بشأن استجابة أدعيتنا. إن استجابة الدعاء قد أصبحت عملية واضحة مثل وضوح بناء منزل، حيث إن من يعرف آليات عمل العقل الباطن يعرف كيف يدعو "بصورة عملية"[7]. فيحصر استجابة الدعاء بفعل الإنسان وطريقة أداءه لدعائه، وهو لا ينفي دور حكمة الله تعالى في استجابة الدعاء فحسب، وإنما ينفي حتى إرادة الله وإعانته. وهكذا في تفسير عملية التكرار وعملية التخيل يتم تفسيرها بأنها مجرد ذبذبات تخرج من الإنسان لتجذب الذبذبات المشابهة لها في الكون.

4/ قالوا أن العقل الباطن لا يحب لغة النهي ولذلك لا ينبغي أن نستخدم أبداً أدوات النهي في عملية إيصال الأفكار لأنفسنا، ولكننا كمسلمين نجد أن الله تعالى جاء بآيات قرآنية تحتوي على النهي بمختلف أدواته، مما يعني أن الأمر مرتبط بالمعنى أكثر من ارتباطه بالشكل.

5/ لقد أكدوا أن السر في تحقيق الإنجاز مهما بلغ هو تلقين ما تريد للعقل الباطن، وهو بدوره سوف يقوم بتحقيقه عبر اجتذابه لتلك الأهداف، إلا أنهم يعودون وينصحون بأن تكون تلك المطالب عقلانية ومنطقية، مما يعني أن الضابطة في تحقيق المنجزات ليست منحصرة بتلقين الإيجابيات، إنما هنالك ضوابط وعوامل أخرى ذات تأثير أيضاً.

هذه بعض الملاحظات الأساسية العامة حول نظرية العقل الباطن، على أمل أن نسعى لصياغة مقاربة متطابقة مع الفكر الديني لفعالية القوى الباطنية وعوامل الغيب في النجاح وصياغة الذات.



[1] / أهم 50 كتاباً في مساعدة الذات، ص226، توم باتلر - باوردون

[2] / قوة العقل الباطن، ص18، الدكتور إبراهيم الفقي.

[3] / قوة العقل الباطن، ص29

[4] / قوة العقل الباطن، ص 19

[5] / اكتشف وبرمج عقلك الباطن، الدكتور أيمن العريمي، ص118

[6] / مقاربات نقدية في البرمجة اللغوية العصبية، ص 36، آية الله الشيخ محمد سند والشيخ ميثم السلمان.

[7] / أهم 50 كتاباً في مساعدة الذات، ص 227، توم باتلر – باوردون، عن كتاب قوة عقلك الباطن، لجوزيف ميرفي.

المشاهدات: 2180
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy