تخطّي إلى المحتوى
بصائر القرآن

سورة العصر

السيّد محمود الموسوي5,761 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم
( والعصر ، إنّ الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) . .

عصارة الربح
عصارة الزمن ولادة الإنسان وعصارة الإنسان عمله ، وعصارة عمل الإنسان سورة العصر ، التي لخّصت كل المفاهيم القرآنية في تعبير وجيز دقيق ، جمع كل المحاسن ومنع كل المساوئ ، لينتج الإنسان الرابح في هذه الحياة .
وسورة العصر تكونت من ثلاث آيات كل آية عبارة عن قيمة مهمة ( العصر ، الإنسان ، عمل الإنسان ) لتكوين الإنسان الرابح ، فهي إذاً عصارة الربح . والتعبير القرآني بالعصر يتناسب مع هذه المعاني .
1/ ( والعصر ) ، لقد قيل أن المقصود عصر الرسالة ، وقيل عصر ظهور الحجة ، وقيل فترة ما بعد الظهر ، وقيل بمعنى الدهر ، أو أي عصر أنت فيه ، وسواء كان هذا أو ذاك فإنه تعبير عن الزمن ، الزمن الذي يؤثر في الإنسان وفي حركته ، بدلالة أن السورة تتحدّث عن الإنسان و عن عمله في الدنيا ....
و القسم لا يكون إلا بالأشياء العظيمة ، بل بالغة العظمة ، ليكون للقسم وقعه وتأثيره لدى السامع ، والعصر أو الزمن الذي نعيش فيه له أهمية بالغة لأننا نحيى فيه فنؤدّي أعمالنا خلال ساعاته ، وقوله تعالى : ( والعصر ) إنما أعطى للزمن الأهمية العظيمة لأن الله هو الذي أقسم به ، حتى لو لم ندركه بعقلنا المحدود . والهدف من القسم إنما لتأكيد حقيقة مهمة ، فما هي تلك الحقيقة التي أراد الله تعالى أن يبينها لنا ، فقسم الله ليس كأي قسم ؟
2/ ( إن الإنسان لفي خسر ) ، الإنسان المجرّد عندما يترك ليسير في ضمن المقاطع الزمانية المكتوبة إليه ، فإنه لا محالة خاسر ، أي أنه يعيش حتمية الخسران بطبيعته ، والخسران نقصان رأس المال ، حتى ولو لم يرتكب المعاصي والفساد ، وذلك لأن الزمن الذي أقسم به الله وأراد لفت انتباهنا إليه في حركة دائمة لا تتوقف ، فعندما يبقى الإنسان على ما هو عليه فإن الزمن يتعدّاه ويكون هو في نقص ،
وهنا سؤال :أي خسر تتحدّث عنه الآية ؟ الكلمة جاءت مطلقة دون قيد ، والآية التي تتحدث عن الخسران المطلق في القرآن هي قوله تعالى ، في سورة التوبة : ( حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة أولئك هم الخاسرون ) .
وكما أن خسران الإنسان مرتبط بالزمن كذلك المقابل للخسر وهو الربح مرتبط باستغلال الزمن ، كيف ؟
3/ ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا الصبر ) ، فهذا استثناء من الإنسان الخاسر ، وهو الإنسان الرابح ، فلا بد أن تتوافر فيه أربع صفات ، واضحة في هذه الآية ، نسلط الضوء على عدّة لفتات :
· من الصفات الأربع صفتان خاصتان بالإنسان كحركة فردية ( الإيمان وعمل الصالحات ) .
· وصفتان خاصتان بالإنسان كحركة اجتماعية ( التواصي بالحق و التواصي بالصبر ) .
· الإيمان وحده لا يكفي في تكوين الإنسان الرابح ، بل لا بد من اتباعه بالعمل الذي يدلّ على ذلك الإيمان ، لذلك جاءت كلمة ( الصالحات ) مضافة للعمل ، لأن لها ارتباط بالإيمان بالله وبرسله وكتبه .
· العمل على المستوى الاجتماعي بأهمية إيمان الإنسان وعمله لنفسه ، كما نرى أن الله تعالى جعل التناصف بين المستوى الفردي ، والاجتماعي ، إلا أن المستوى الفردي مقدّم ، وشرط لإنجاح العمل الاجتماعي ، ونجد ذلك في قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ، فأولاً ( كنتم خير أمة ) في المواصفات ثم ( أخرجت للناس ) للانطلاق في الساحة الاجتماعية ..
· الإنسان الرابح هو الذي ينظر لنفسه ودوره ضمن تلك المعادلة ككل ، فأربع الصفات جاءت في آية واحدة ، لعلها لتؤكّد هذه الحقيقة .
· العمل الإجتماعي ينقسم إلى قسمين ، الأول : ( التواصي بالحق ) وهو العمل لإشاعة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والثاني : وهو ( التواصي بالصبر ) الصبر على الحق و الصبر على التواصي بالحق ، أي ليثبت الناس على الحق بالتكرار والتذكير ، ولكي يستمر العاملين على إشاعة الحق و تأدية رسالتهم ، والقسم الثاني لا يقل أهمية عن الأول ، ولذلك كررت كلمة التواصي فيهما ، فلم يقل ، وتواصوا بالحق والصبر .
فكما يخطط لأي عمل في سبيل الحق ، لا بد أن يخطط أيضاً لكيفية استمراره ودوامه ، فـ ( قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه ) كما في الحديث .
إن الإيمان هو الغاية وهو أهم ما في هذه الصفات وعمل الصالحات يقوم بدور تنمية الإيمان والحفاظ عليه ، والعمل الاجتماعي يقوم بتنمية عمل الصالحات والحفاظ عليها حتى على الفرد نفسه ، لأنه سيخلق جوّاً صالحاً ، و العمل على الاستمرارية والصبر ، إنما للحفاظ على العمل الإجتماعي ، وبالتالي فكل الأعمال تعود على إيمان الإنسان نفسه لتنميه وتحافظ عليه ، وتخرجه من دائرة الخسر إلى دائرة الربح ، فهذه هي عصارة الربح .

اقتراحات مرتبطة

محتوى ذو صلة

بصائر القرآنالقرآن وحرية المجتمع.. إشكاليات الواقع المعاصر (التدين مثالاً)

بحث مقدّم لمؤتمر القرآن الكريم بسيهات / ملتقى القرآنإن الاحساس بالحاجة لقيمة الحرية لدى الإنسان هو إحساس فطري ، وهو شعور جامح مودع في الإنسان و له دافعيته التي تثور باتجاه الآنعتاق من الأغلال والآصار التي تكبلها في شتّى …

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنتدبّر التلاوة

بعد أن آمن البعض وما كاد أن يؤمن بضرورة التدبّر في القرآن الكريم ، قالوا كيف يمكن لعامّة الناس ، أي غير العلماء العالمين بعلوم القرآن و بما يحتاجه من أدوات علمية راقية .. كيف لهم أن يتدبّروا .. بل لماذا يحق لهم أن يتدبّر…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنشهر رمضان .. نموذج للبرنامج المثالي

بسم الله الرحمن الرحيم(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام اخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيراً فهو خيراً له وأن تصوموا خي…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الفيل وقريش

بسم الله الرحمن الرحيم( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجّيل ، فجعلهم كعصف مأكول ) . .

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الماعون

بسم الله الرحمن الرحيم( أرءيت الذي يكذّب بالدين ، فذلك الذي يدعّ اليتيم ، ولا يحضّ على طعام المسكين ، فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ، ويمنعون الماعون ) المعاني : ( الدين ) : الجزاء / ( يدعّ ) …

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الكوثر

بسم الله الرحمن الرحيم( إنّا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر)سبب نزول السورة : نزلت عندما وصف العاص بن وائل الرسولَ (ص) بالأبتر ، بعد ما مات ابنه القاسم ثم عبد الله .معاني الكلمات : (الكوثر) : الخير …

11 أغسطس 2010