تخطّي إلى المحتوى
بصائر القرآن

سورة الكوثر

السيّد محمود الموسوي4,293 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم
( إنّا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر)
سبب نزول السورة : نزلت عندما وصف العاص بن وائل الرسولَ (ص) بالأبتر ، بعد ما مات ابنه القاسم ثم عبد الله .
معاني الكلمات : (الكوثر) : الخير الكثير / (وانحر) : وارفع يديك إلى منحرك حال التكبير في الصلاة / (شانئك) : مبغضك /(الأبتر) : المنقطع النسل . (1) عطاء غير مجذوذ : .
كل عملية عطاء لا بد أن تتوافر فيها العناصر الثلاثة التالية : المعطي و المعطى إليه و العطية ، فإذا نقص عنصر واحد منها فلن تكون عملية عطاء حقيقية ، بل ستكون عملية تمثيلية أو تضليلية ، وقد أعطى الله تعالى رسولنا الكريم الكوثر ( التي من ضمن معانيها الأساسية ذرية الرسول ونسله (ص) ) ، فهذه عملية إعطاء حقيقة نجدها جليّة ومتحققة عندما رُزق الرسول (ص) بفاطمة (ع) لتنحدر منها الذرية الطاهرة . وفي التعبير القرآني فإنّ ( إنّا ) تشير للمعطي وهو الله تعالى ، والكاف في ( أعطيناك ) تشير للمعطى إليه وهو الرسول (ص) ، و ( الكوثر ) تشير للعطية .
ولكن هذه العملية ليست كالعطاءات الأخرى بل هي ( عطاء غير مجذوذ ) وغير منقطع ، إن الله تعالى أعطى مثل هذا العطاء في الآخرة للمؤمنين ، ولكنّه عزّ وجلّ لم يعطه لأحد في الدنيا ، إلا رسولنا الكريم وأهل بيته (ع) في هذه السورة ، ونستشف ذلك من صيغة ( الكوثر ) التي تدّل على الخير الذي من شأنه الكثرة والاستمرار ، وأيضاً من خلال مقابلة السورة الشريفة هذه النعمة بتعبير ( الأبتر ) وهو المنقطع عقبه ونسله ، و ها نحن نرى الآن أن ذرية الرسول (ص) هي الذرية التي لم تنقطع ، بل هي الذرية التي تزداد يوماً بعد يوم ، حتى أصبحت أكبر ذرية على وجه الأرض . ( فقد بلغت حسب بعض التقديرات أكثر من عشرين مليون نسمة ) .
وهنالك ميزة أخرى لهذا العطاء الإلهي ، فهو ليس عطاء يختصّ بشخص الرسول (ص) بل يتعداه إلى أهل بيته وإلى المؤمنين كافّة ، فالنجم عندما يعطيه الله النور والزينة ، فهو عطاء لنا أيضاً لأننا نجني من هذا العطاء الهداية ، قال تعالى : ( علامات وبالنجم هم يهتدون ) ورسول الكريم نور وعطاء النور نوراً لا ينقطع إنما هو لهدايتنا إلى يوم القيامة بلا انقطاع .
هذه المعادلة قد ألّفت بعناصرها المتميّزة ( نعمة إلهية ) دائمة ، فما هو واجبنا اتجاه النعم ؟
(2) زينة الشكر :
كل نعمة إلهية تحتاج إلى الشكر لكي نقدّرها ونحفظها من الزوال ، فقد جاء الشكر في آيات اذكر الحكيم مقارناً للنعم ، قال تعالى : ( واشكروا نعمة الله ) 114/النحل ، وأمّا طريقة الشكر فمما يستفاد من الروايات أنها طريقتان : الأولى : الشكر بالمعرفة ، وهو أن تعرف أن هذه النعمة من الله تعالى وهو الذي منّ بها عليك ، ففي الحديث : أوحى الله إلى داود (ع) : ياداود اشكرني . قال : كيف أشكرك والشكر من نعمتك ، تستحق عليه شكراً . قال الله جلّ جلاله : ياداود رضيت بهذا الاعتراف منك شكراً .
وقد تحققت هذه الطريقة في الشكر من خلال الآية الأولى ، في قوله : ( إنّا أعطيناك ) ، لمعرفة أن النعمة من عنده تعالى .
وأمّا الطريقة الثانية في الشكر فهي بأداء الشكر ، إما بقول ( شكراً لله ) أو بسجدتي الشكر ، أو بصلاة الشكر ، وما شابه ذلك ، والصلاة هي تجميعاً لكل تلك الأدوات ، فلذلك جاءت الآية ( فصلّ لربك ) تعبيراً عن الشكر ، وفي قوله تعالى : ( وانحر ) وهو رفع اليدين إلى المنحر في حال التكبير في الصلاة ، زينة للشكر و إضفاء ذوق جمالي ، وأدب رفيع ، فالشكر إذا كان مبتوراً وجافّا من أي لياقة وأدب فقد لا يؤدّي رسالته ولا يحقق هدفه ، فالنحر في صلاة الشكر هي ذلك الجانب المهمّ ، وهي زينة الشكر ، ففي الحديث : ( لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين إلى المنحر حال التكبير ) .
(3) لا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا :
الحكم الموضوعي الذي يتوخى الصواب في مجمل القضايا الحياتية ، لابد أن يبتعد عن الرواسب النفسية والأحقاد التي يكنّها إلى أحد طرفي القضية التي سيصدر الحكم فيها ، لكي لا يحمله ذلك على التحامل وبالتالي الوصول إلى النتيجة الخاطئة ، ففي قوله تعالى : ( إن شانئك هو الأبتر ) ، بيان للسبب الذي دعى العاص بن وائل لوصف الرسول (ص) بهذه الصفة ، فالشانئ هو المبغض ، وقد قال تعالى في سورة المائدة : ( و لا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) . وهذا الذي يتجرأ على رسول الله (ص) بهذه الصورة لهو ( الأبتر ) المنقطع عنه كل خير ، جزاء لما اقترفت يداه .
بصائر للحياة
1/ إن ذرية رسول الله (ص) تدخل ضمن دائرة الخير والنعم الإلهية المتميزة ، فلابد أن نحترمها ونحفظ الرسول في ولده .
2/ علينا أن نهتمّ بشكرنا لله وللآخرين ، فليكن شكرنا جميلاً ومؤدّباً ، تقديراً للنعمة والمنعم .
3/ الترسبات النفسية والأحقاد من العوامل التي تؤدّي إلى الخطأ في الأفكار وفي الحكم ، فعلينا أن نتجرّد منها في عملية التفكير و في الحكم على أي شيء .
"

اقتراحات مرتبطة

محتوى ذو صلة

بصائر القرآنالقرآن وحرية المجتمع.. إشكاليات الواقع المعاصر (التدين مثالاً)

بحث مقدّم لمؤتمر القرآن الكريم بسيهات / ملتقى القرآنإن الاحساس بالحاجة لقيمة الحرية لدى الإنسان هو إحساس فطري ، وهو شعور جامح مودع في الإنسان و له دافعيته التي تثور باتجاه الآنعتاق من الأغلال والآصار التي تكبلها في شتّى …

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنتدبّر التلاوة

بعد أن آمن البعض وما كاد أن يؤمن بضرورة التدبّر في القرآن الكريم ، قالوا كيف يمكن لعامّة الناس ، أي غير العلماء العالمين بعلوم القرآن و بما يحتاجه من أدوات علمية راقية .. كيف لهم أن يتدبّروا .. بل لماذا يحق لهم أن يتدبّر…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنشهر رمضان .. نموذج للبرنامج المثالي

بسم الله الرحمن الرحيم(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام اخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيراً فهو خيراً له وأن تصوموا خي…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الفيل وقريش

بسم الله الرحمن الرحيم( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجّيل ، فجعلهم كعصف مأكول ) . .

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الماعون

بسم الله الرحمن الرحيم( أرءيت الذي يكذّب بالدين ، فذلك الذي يدعّ اليتيم ، ولا يحضّ على طعام المسكين ، فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ، ويمنعون الماعون ) المعاني : ( الدين ) : الجزاء / ( يدعّ ) …

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة العصر

بسم الله الرحمن الرحيم( والعصر ، إنّ الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) . .

11 أغسطس 2010