تخطّي إلى المحتوى
بصائر القرآن

سورة الماعون

السيّد محمود الموسوي3,679 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم
( أرءيت الذي يكذّب بالدين ، فذلك الذي يدعّ اليتيم ، ولا يحضّ على طعام المسكين ، فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ، ويمنعون الماعون ) المعاني : ( الدين ) : الجزاء / ( يدعّ ) : يزجر / ( يحضّ) : يحثّ ويحرّض / ( الماعون ) : كل ما فيه منفعة . بين الموقف والسلوك .

هل هنالك علاقة بين الموقف والمعتقد الذي يؤمن به الإنسان وبين السلوك الذي ينتهجه في الحياة ؟ للإجابة على هذا السؤال توالت الكثير من النظريات لدى علماء النفس والاجتماع ، وحتى السبعينات من القرن المنصرم لم يكن العلماء قد استقرّوا على رأي يثبت العلاقة بين الموقف والسلوك ، حتى جاء بعض العلماء في الثمانينات وأثبت الصلة بينهما بشرط تطابقهما في المكان والزمان والطبيعة وجميع المواصفات ، فإذا كان موقفه رافضاً للغش مثلاً ، فينبغي أن نتعرّف على نوع الغش الذي يرفضه ، حتى نحدد ما إذا كان سلوكه يتطابق و موقفه أم لا .
وسورة الماعون تقيّم الإنسان من خلال عرضه على ميزان الموقف الذي يتبنّاه و مدى تطابقه مع سلوكه الحياتي ، وترقى بهذا الميزان ليكون محدداً لموقف الإنسان من خلال سلوكه . وقوله تعالى : ( أرءيت الذي يكذّب بالدين ) ( أرءيت الذي يكذّب بالدين )، عرضٌ لموقف وعقيدة يتبنّاها الإنسان وهي التكذيب بالدين الذي يعني الجزاء كما ذكرت التفاسير ، وهذه السمة إنما يتصف بها كل من يمارس سلوكاً معيناً ، وهو ( فذلك الذي يدعّ اليتيم .. إلى آخر السورة ) ، فليس العبرة في تحديد موقف الإنسان وعقيدته هي القول باللسان ، إنما بالسلوك ، يقول ربنا عزّ وجلّ في سورة البقرة : (ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين )! وهذا الذي يكذب بالدين له صفتان :

الأولى : عدم المسؤولية الاجتماعية

إن الله سبحانه وتعالى أكّد على الأمّة الواحدة وعلى التعاون فيما بينها على البر والتقوى ، وعلى التحنّن على الأيتام ، وإيتاء المساكين حقوقهم ، وأكد رسولنا الكريم (ص) على أن ( المسلمون كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى ) ، وأيضاً ( من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ) ، فإن الذي ينكر حاجة المجتمع ، إنما ينكر الجزاء الذي يترتب عليه .
فهو يمارس فردياً عدم المسؤولية الاجتماعية ( فذلك الذي يدعّ اليتيم )، ذلك اليتيم الذي يحتاج أكثر ما يحتاج إلى العطف والحنان ، فهو يزجره ويدفعه ويكسر قلبه ، وبما أنه لا يمارس الهمّ الاجتماعي فردياً فإنه لا يتمكّن من العمل بصدق ( ولا يحضّ على طعام المسكين ) ، قد يدعو وينخرط في الهم الاجتماعي لأسباب مصلحية أو غيرها ، إلا أنه لا يصل لدرجة إقناع الآخرين بإطعام المسكين ، فقد جاء التعبير القرآني ( ولا يحضّ ) ، ولم يقل ( و لا يدعو ) ، فالحض في درجة أقوى من إطلاق الدعاوى ، فهو التحريض بقوة وصدق ، ولا يصل إليها من لا يلتزم ذلك الشعور مع نفسه .

الثانية : ميزان سلوكه نظرة المجتمع .

وكذلك هو أمام الأعمال العبادية الخالصة لله تعالى التي لا يؤدّيها كما هي مفروضة عليه ، بل يفرّط فيها ، وأهمها الصلاة ، قال الإمام علي (ع) : (ليس عمل أحب إلى الله عز وجل من الصلاة ، فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا ، فإن الله عز وجل ذمّ أقواماً ، فقال : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون )، يعني أنهم غافلون ، استهانوا بأوقاتها ) ، وكما جاءت الأحاديث لتؤكد أن ، ( بين الكفر والإيمان ترك الصلاة )قال عز وجلّ ( فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، كسلوك فردي بينهم وبين الله تعالى ، وفي المقابل فإنهم ( الذين هم يراءون ) ، يحافظون على الصلاة أمام الناس ، وفي الحقيقة هم يصلّون للناس لا لله ، فالمخلص لله يحافظ على الصلاة في أوقاتها في كل الحالات سواء رآه أحد أم لم يره.

ويمنعون الماعون

من لا يحمل في داخله شعوراً تجاه مجتمعه ، ولا يشاركه مشاكله الكبرى ، ويستهين بعلاقتة بالله ، ويحاول الحفاظ على علاقته بالناس ، فذلك يصل إلى درجة أنه لا يمارس المساعدات الخيرية البسيطة التي اعتادت عليها الناس ، كإعارة الأواني أو القرض البسيط أو إعارة الكتب وما إلى ذلك من المساعدات اليومية ، فإذا شاع هذا السلوك ، فإن عجلة تقدم المجتمع ستتوقّف حتى عن أبسط أمورها ، التي تتجلّى في قول ربنا عزّ وجلّ : (ويمنعون الماعون).

بصائر للحياة .

(1) سلوك الإنسان يعبّر عن مكنوناته التي يؤمن بها، فلا بد لكل عقيدة من سلوك يطابقها في المظاهر والأهداف .
(2) الاشتغال بهموم المجتمع ، والالتفات إلى احتياجاته ولو كانت بسيطة ، من الأمور التي ترتبط بالعقيدة الإلهية .
(3) للمشاركة الفاعلة في المجتمع وللتأثير الناجح في المسار الخيري ، لا بد أن يلتزم الإنسان كسلوك فردي بذلك المسار .
ينبغي أن لا نستهين بالمعونات الصغيرة ، كالإعارات البسيطة في دورها لتكامل المجتمع وتقدّمه .

اقتراحات مرتبطة

محتوى ذو صلة

بصائر القرآنالقرآن وحرية المجتمع.. إشكاليات الواقع المعاصر (التدين مثالاً)

بحث مقدّم لمؤتمر القرآن الكريم بسيهات / ملتقى القرآنإن الاحساس بالحاجة لقيمة الحرية لدى الإنسان هو إحساس فطري ، وهو شعور جامح مودع في الإنسان و له دافعيته التي تثور باتجاه الآنعتاق من الأغلال والآصار التي تكبلها في شتّى …

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنتدبّر التلاوة

بعد أن آمن البعض وما كاد أن يؤمن بضرورة التدبّر في القرآن الكريم ، قالوا كيف يمكن لعامّة الناس ، أي غير العلماء العالمين بعلوم القرآن و بما يحتاجه من أدوات علمية راقية .. كيف لهم أن يتدبّروا .. بل لماذا يحق لهم أن يتدبّر…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنشهر رمضان .. نموذج للبرنامج المثالي

بسم الله الرحمن الرحيم(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أيماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام اخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيراً فهو خيراً له وأن تصوموا خي…

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الفيل وقريش

بسم الله الرحمن الرحيم( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجّيل ، فجعلهم كعصف مأكول ) . .

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة العصر

بسم الله الرحمن الرحيم( والعصر ، إنّ الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) . .

11 أغسطس 2010

بصائر القرآنسورة الكوثر

بسم الله الرحمن الرحيم( إنّا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر)سبب نزول السورة : نزلت عندما وصف العاص بن وائل الرسولَ (ص) بالأبتر ، بعد ما مات ابنه القاسم ثم عبد الله .معاني الكلمات : (الكوثر) : الخير …

11 أغسطس 2010