تخطّي إلى المحتوى
مقالات ودراسات

العالم الرسالي.. من خلال شخصية آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سرّه)

السيّد محمود الموسوي4,948 مشاهدة
حفظ PDF
القلم يقف عاجزاً أمام شخصية عظيمة كشخصية الفقيد الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره)، تلك الشخصية التي آلمتنا برحيلها المبكّر، والمبكّر جداً.. فلقد كان في موسم عطائه وأوجّه، فاجأنا برحيله فحتار القلم فيما يمكن أن يخطّه بهذه المناسبة الأليمة.. .

222أتوكل على الله بذكر بعض النقاط التي وجدتها مهمة في شخصية السيد الراحل، أذكّر بها نفسي والعلماء والمؤمنين، فيما يرتبط بمييزات العالم الرسالي، وهي مميزات أجدها منسجمة تمام الإنسجام مع توجيهات القرآن الكريم ووصايا النبي (ص) وأهل بيته (ع) حول العلماء..

ولأن التذكير مهم في هذا الجانب، لحساسية دور العلماء في قيادة الأمّة وبناء شخصيتها، والدفاع عن هويتها، فلابد أن يعاد التذكير بها بين الفينة والأخرى، فيكون العالم متذكّراً، ويكون المجتمع متبصّراً بذلك الدور، ليقف مع العلماء العاملين ويستنهض المتقاعسين منهم..

فمن مميزات السيد الراحل (قدس سره):

1/ كان متفانياً في خدمة الدين وملتزماً بدوره كعالم من العلماء في البحث والخطابة والكتابة والتأسيس والتشجيع على العمل ولقاء الناس يومياً وتوجيههم وبحث المستجدات والإحتياجات معهم، لم يجد مكاناً للإنزواء في حياته برغم مرضه بظهره، ولم يجد الكسل أي مبرر ليقنعه بأن يفتر عن العطاء، ولم تهزمه التبريرات المادية بأن ينعزل عن العمل الرسالي ويتفرغ لجمع المال والترفل في الرفاهية.

2/ أن يكون عاملاً ومبادراً لا يعني ذلك أن يحجر على غيره العمل والنجاح في العمل، بل كان مبالغاً في تشجيع العاملين، وتحفيز العلماء، واستنهاض الطاقات لكي تسير في خط العمل الرسالي، لأن همّه وتطلعه منحصراً في الغايات، ومنبثقاً من المبادئ والقيم، وليس متمحوراً حول ذاته وشخصه.

3/ رأي الآخرين لا يشكل بالنسبة إليه جبهة حرب ضدهم، فما كان محله الرأي تبقى ساحته المحاورة وقوّة الحجة، بعيداً عن القسوة والتكفير والغلظة المنفّرة، كان يؤمن بذلك إيماناً علمياً خصوصاً فيما يرتبط بالإختلافات والإجتهادات داخل المجتمع العلمي الإسلامي، ويمارسه ممارسة عملية، حيث كان يطرح الرأي المخالف بكل أدب، ويناقشه ويقيم الحجّة عليه، دون اللجوء إلى القسوة ودون الإحتماء بضوضاء الصوت والإنفعال، في عملية امتزاج بين قوّة الحجّة، ولين المعاملة، ليبقى طريق العودة مفتوحاً أمام الآخر.

4/ لم يحبس نفسه عن التعاطي مع المشكلات المعاصرة للمسلمين بحجة الإشتغال ببعض القضايا العلمية، فكان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن العلماء أصحاب الرؤى يجب عليهم إظهار علومهم في مواقع الفتن، وعليهم أن يقدّموا رؤية الدين فيما يستجد من إشكاليات، فقد طرح على سبيل المثال مسألة التكفير، والتعددية، والذوبان الثقافي، وعالج مسائل تفكك الأسرة وبناء الأسرة الفاضلة في الزمن الحاضر، وماشابه ذلك.. ففي الوقت الذي كان يطرح القضايا العقيدية لأهميتها، فإنه يطرح المشكلات المعاصرة لأهميتها أيضاً، وإن كان يغلّب في بعض الأحيان جانباً على آخر فيما يراه أكثر أهمية.

5/ قد يكون الإشتغال العلمي بالدراسات العليا، سدّاً لدى البعض أمام التعاطي مع المجتمع في خطاب يحاكي فهمهم، هذا السدّ الذي خلقته بعض الأعراف، لا وجود له في مسيرة سماحة السيد الراحل، فلقاءه المباشر بالناس كان ميسّراً في كل يوم، ومحاضراته التربوية كانت متواصلة ومتنوعة، فالعلماء إنما يشتغلون بالعلم ليضيء للناس دربهم لأن العلم نور، لا أن يشغلهم العلم عن الناس وعن توجيه الناس.

خاتمة

لاشك ان هنالك مميزات كثيرة للسيد الفقيد غير ما ذكرته هنا، وقد ذكرها الكثيرون في مجالس التعزية والمواساة، إلا أنني أضع هذه النقاط التي أعتبرها مهمة لتقويم دور العلماء وضمان استمرارية العطاء والفاعلية، وحتى لا توقفنا الخلافات الإجتماعية عن أداء الدور الرسالي، ولا يستبد بنا الرأي عن التعاطي مع الآخرين، ولكي لا يحبسنا الفقر عن المواصلة، ولكي لا يخلدنا التعب إلى الكسل والتبرير..

نسأل الله التوفيق والسداد للعلماء والمؤمنين..

2222

اقتراحات مرتبطة

محتوى ذو صلة

مقالمزار الإمام الباقر (عليه السلام)

الإمام محمد الباقر (ع)، ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، هو الإمام الخامس من أهل البيت (ع) خلفاء النبي (ص)، وُلد في المدينة المنوّرة سنة 57 هـ، في الأول من شهر رجب، وقيل في الثالث من صفر، تسلّم ميثاق الإمامة بع…

3 يونيو 2025

مقالمزار الإمام محمد الجواد (عليه السلام)

السيد محمود الموسوي الإمام محمد الجواد، ابن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، تاسع الأئمة الطاهرين، الذين طهّرهم الله تعالى تطهيراً، ولد في مدينة رسول الله (ص) سنة 195 هـ، في العاشر من شهر رجب[1]، وقد تولّى منصب الإمامة الإل…

27 مايو 2025

مقالالمزار الصادقي.. فضل وكيفية زيارة الإمام جعفر الصادق (ع)

المزار الصادقي.. فضل وكيفية زيارة الإمام جعفر الصادق (ع) السيد محمود الموسوي الإمام جعفر الصادق (ع)، هو الإمام جعفر بن محمد الباقر، بن الإمام زين العابدين (ع) ابن الإمام الحسين (ع) ابن الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وهو الإ…

23 أبريل 2025

مقالكل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء، مناقشة في الشعار

كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء مناقشة في الشعار المصدر: كتاب أيام عاشوراء، السيد محمود الموسوي.طبع ٢٠٠٨م

12 يوليو 2024

مقالالإمام الصادق (ع) وصناعة خارطة المجد الشيعي

إن التشيّع الإمامي الإثني عشري لم يصل إلى حالة مجده ورسوخ أصوله وسعة وجوده دون رعاية إلهية، فلقد كانت سيرة أهل البيت (ع) جهوداً في تلك الصناعة، تأسيساً ونضوجاً وانتشاراً، ولقد كان للإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) الدور الب…

15 مايو 2023

مقالالمرحومون حتماً

كلّ استحقاق يحتاج إلى جهد وكل نتيجة لابد أن تمرّ بمقدمات، ورحمة الله عميمة قد وسعت كل شيء، ورأفته رقيقة قد تخلّلت كل شيء، ولكنها لا تُكتب لعبد بالمجّان، ولا تنال المُنكر والمرتاب، وذلك لكي لا يستوي المفسد والمصلح، ولا ال…

1 فبراير 2023