إن التشيّع الإمامي الإثني عشري لم يصل إلى حالة مجده ورسوخ أصوله وسعة وجوده دون رعاية إلهية، فلقد كانت سيرة أهل البيت (ع) جهوداً في تلك الصناعة، تأسيساً ونضوجاً وانتشاراً، ولقد كان للإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) الدور البارز في ذلك من ناحية التظهير والتثبيت والانتشار، وهذه الحقيقة التي يقصر عن فهمها قارئ التاريخ بقصر نظر لا يصل حدّ الأنف ولا يتعدّى مخارج الحروف، بل تحتاج إلى قارئ حصيف للتاريخ ومحلّل بصير لحركته.
بالإضافة إلى ما أبداه الإمام الصادق في كثرة الرّوايات التي حملتها عنه الأسفار والصّدور، قد رمى ببصيرته لتأسيس خارطة المجد الشيعي الممتدّة في أبرز بقاع النور في الأرض مع ما يتصل بها من بلاد، فلم يكن مبلغ همّ الإمام أن يجلس في مسجد المدينة ويحدّث الناس ويعلّمهم المعارف الربانية وحسب، بل كان مجلسه ذاك مجلساً لصناعة ستؤثّر في تاريخ الإسلام برمّته وتبرز منابر النور ومعالم العظمة الشيعية في الأرض.
نعم، لقد كان ينظر ناحية قمّ التي دبّرت يد العناية الإلهية وجود قبر السيدة فاطمة المعصومة (ع) فيها، التي لم تكن قد وًلدت بعد، فأسّس فيها مجتمعاً علمياً يثوّر العلم ويُعلي رايته، فأخرج ذلك المجتمع البسيط من همّ القوت إلى همّ الدين ومعارفه، فأوفد الأشعريين مؤسّسين للحالة، ثم تتابعت برجال عظام منهم زكريا بن آدم (الأشعري) الذي قال عنه الإمام الرضا (ع) أنه المأمون على الدين والدنيا، وهكذا صنع الإمام الصادق من قم وما حولها بؤر نورية تشع بالعلم وتنضح بالمعرفة.
ورمى الإمام الصادق (ع) بطرفه ناحية كربلاء حيث قبر جدّه الإمام الحسين (ع)، فأغرق صدور الرواة وكتبهم بما يدعو لإحيائها وضرورة التوجّه إليها في كل حين، وذكّرهم بمحورية قبر وقداسة الأرض لتكون محوراً في الإشعاع الديني حتى ظهور الإمام الحجة المنتظر (عج)، وبرغم صعوبة العيش فيها بادئ الأمر إلا أنها أصبحت فيما بعد موئلاً للعلماء ومنطلقاً للتجديد الفقهي والأصولي عند الشيعة فكان منها الانتشار الأكبر، بعد أن كانت بغداد والنجف والحلّة.
فتعدّدت الحواضر العلمية الشيعية في سائر المناطق لا من فراغ، بل من رؤية قد حفّز من خلالها إمامنا الصادق (ع) الفقهاء بأن يحملوا علومهم ويحدّثوا بأحاديث أهل البيت (ع) ويفتوا الناس في المساجد وسائر البلاد دون أن تتوقّف عجلة العطاء، وقد قال سلام الله عليه لمسلم بن أبي حية: (ائت أبان بن تغلب، فإنه قد سمع منّي حديثاً كثيراً، فما رواه لك فاروه عنّي). فاتصلت البلاد وتعدّدت بالمجد الشيعي، بعد أن كان قد شجّع الشيعة إلى شدّ الرحال والتواصل مع بقاع معينة كان محوريتها المشاهد المشرّفة لأهل البيت (ع).
السيد محمود الموسوي
15/5/2023م
مقالات ذات صلة:
أحدث المقالات - من جميع الأقسام:
مقالات متفرقة:
- القوّة الباطنة لإعانة الذات.. قراءة تحليلية في مقولة العقل الباطن - 2013/01/13
- الحدث أبلغ واعظ.. - 2011/01/15
- قال لنا عليٌ (ع): تدبّروا آيات القرآن.. ضرورة التدبر وتبرير الهجران - 2010/08/11
- في مسار النقد والتطوير .. عاشوراء كموسم معرفي وروحي واجتماعي - 2014/11/26
- زيارة الأربعين نور على نور - 2012/01/11
المقالات الأكثر قراءة:
- ما معنى جوامع الكلم؟ - 2010/09/20 - قرأ 49657 مرُة
- معجم المؤلفين البحرينيين يترجم للسيد الموسوي - 2015/05/28 - قرأ 36057 مرُة
- هل في المرض أجر؟ وما صحة قولنا للمريض: أجر وعافية؟ - 2015/05/20 - قرأ 35559 مرُة
- لماذا نسجد على التربة الحسينية؟ - 2010/08/10 - قرأ 33934 مرُة
- مالذي يقصده الإمام الحسين من قوله: (لم أخرج أشراً ولا بطراً..) وهل لها انعكاس على الواقع الشخصي؟ - 2016/10/08 - قرأ 29239 مرُة
- ماهو واجبنا تجاه الامام المنتظر والاستعداد للظهور؟ - 2010/08/30 - قرأ 21579 مرُة
- ماذا تقولون في كلمة الإمام الحسين عليه السلام: خط الموت على ولد آدم.. - 2016/10/08 - قرأ 20723 مرُة
- بحث فقهي معاصر في حق الزوجة في المعاشرة - 2011/03/30 - قرأ 20683 مرُة
- السيرة الذاتية - 2010/08/08 - قرأ 20666 مرُة
- هل حديث (تفاءلوا بالخير تجدوه) وارد عن أهل البيت (ع)؟ - 2021/01/15 - قرأ 18073 مرُة